حكم الإعدام
اقترب الموعد المحدد لعقد القران، وكانت الفتاة تستعد لذلك اليوم والفرحة تغمرها، حتى انها لم تلاحظ التغير الذي طرأ علي ومقدار الحيرة التي أشعر بها حيال هذا الوضع الغريب، فأنا لا أدري كيف اتصرف، فهذا أخي يذوي أمامي وهو مكتئب وحزين بشكل يقطع القلب، وأمله في رضا أمي هو الخيط الأخير الذي يريد ان يتمسك به لآخر لحظة·
حاولنا جميعاً، انا واخواتي واخوتي ووالدي، حاولنا التأثير على الوالدة لتغير موقفها ولكننا فشلنا· فقد بقيت متمسكة بذلك العناد الغريب غير المنطقي وهي لا تدري بأنها بموقفها المتشدد هذا ستحكم على ولدها بالإعدام وبأنها ستخسره إلى الأبد· لا احد منا يعلم الغيب، ولا ندري لم يتمسك الانسان بعناده ولا يتراجع إلا بعد ان تقع الكوارث، انه عناد إبليس عليه اللعنة، وقد أبعده عناده عن رضا الله·
اصبح الوضع اكثر تعقيدا بالنسبة لي، فلم يعد سهلاً مصارحة الفتاة بعد ان تمت جميع الاستعدادات اللازمة لعقد القران، فبقيت ساكتة لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً· قبل الموعد بأيام قليلة جاءني أخي وكان لونه شاحباً بشكل مخيف، قال لي: احس بأنني متضايق، وان قلبي صار مثل طير جريح يتوجع ويتلوى من الألم·
حاولت التخفيف عنه لأنني شعرت بالخوف عليه، صرت اطمئنه إلى ان الحياة ستعطيه الكثير وان هذا ليس هو نهاية العالم· وكلمات كثيرة لم ادرك معناها لانشغالي وقلقي عليه· نظر إلي نظرة زائغة وقال: إذا حدث لي شيء فإنني أستحلفك بالله انت وأمي واخواتي بأن لا تبكينني، فبكاؤكن سيؤذيني·
شهقت بفزع وصرخت به: ماذا تقول؟ انت انسان مؤمن؟ هل يعقل ان تفكر بالانتحار؟
قال: حاشى لله ان افعل مثل ذلك الأمر، ولكني احس بأن روحي اصبحت سجينة وانها تريد ان ترحل إلى دنيا أرحب واوسع·
كلام غريب أوجع قلبي وزاد من قلقي وخوفي على أخي·
ذهب فسلم على والدتي قبل مغادرته إلى عمله احتضنها طويلاً وقبلها على رأسها عدة مرات وكأنه يودعها· بقيت مستغربة من تصرفه، واعتقدت بأنه ربما يفكر بعصيانها، فقالت: هل سيتزوج تلك البنت دون رضاي؟ ألم أقل لكم انها سحرته؟
ذهب إلى عمله· اتصلت به عدة مرات لأن النوم جافاني، والاحساس بالخوف عليه دمرني· طمأنني على نفسه، واخبرني بأنه سيقرأ سورة يس بعد صلاة الفجر، فاطمأننت عليه ونمت·
فرش سجادة الصلاة وصلى صلاة الفجر ثم قرأ سورة يس، ثم خرجت روحه الطاهرة منطلقة إلى سمائها الرحبة تاركة ذلك الجسد النحيل ممداً على سجادة الصلاة· |