تصورات العلماء للوقائع من اسباب الخلاف في مسائل الصيرفة الإسلامية
الشرق الاوسط تنظم ندوة «الصيرفة الإسلامية بين الخلاف المذموم والمحمود»
أدار الندوة: الشيخ لاحم الناصر وزيد بن كمي
على الرغم من اختلاف العلماء في مسائل الصيرفة الإسلامية المعاصرة التي شهدت أخيرا زخماً كبيرا كونها تلامس حاجة عامة الناس في ظل وجود العديد من قنوات الاستثمار المتاحة، إلا أن هؤلاء العلماء يؤكدون أن اختلافهم رحمة من رب العالمين للمستفتين، وذلك في ندوة الصيرفة الإسلامية بين الخلاف المذموم والمحمود، التي كان ضيوفها الشيخ الدكتور عبد الله بن محمد المطلق عضو هيئة كبار العلماء عضو اللجنة الدائمة للإفتاء، وفضيلة الشيخ الدكتور يوسف بن عبد الله الشبيلي عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء، وفضيلة الشيخ الدكتور محمد بن علي القري استاذ الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز. وأكد المشاركون في الندوة أن وجود قوائم مباحة للشركات المدرجة في سوق الأسهم لا يعنى أنها توصية لشراء أسهم في تلك الشركات. وفي ما يلي نص الندوة....
> ما هي أسباب اختلاف العلماء في مسائل الصيرفة المعاصرة؟
ـ الشيخ الدكتور عبد الله المطلق: أحكام الصيرفة المعاصرة هي من أحكام الفقه الإسلامي، وأسباب الاختلاف في أحكام الصيرفة هي أسباب الخلاف في الفقه الإسلامي، لأن أحكام الصيرفة جزء لا يتجزأ من الأحكام في الفقه الإسلامي، لكن من أهم أسباب وقوع الخلاف في مسائل الصيرفة الإسلامية المعاصرة، تصور الوقائع المحكوم عليها؛ فقد يتصورها بعض العلماء بصورة غير الصورة التي تصورها بها بعض العلماء، فإذا تصور هؤلاء العلماء مسألة الصيرفة أو مسألة الفقه الإسلامي المعينة مثلا بهذا الشكل ثم حكموا عليها ثم أتى آخرون فتصوروها تصورا آخر وحكموا عليها، أثر ذلك الاختلاف في التصور بالاختلاف في الحكم، ولهذا نماذج معينة من مسائل البيوع. وهي كثيرة جدا، فمثلا من المسائل التي يختلف الحكم فيها باختلاف النظر إليها مسألة مثل البيع بالتصريف، من رأى أنه بيع بالتصريف، منعه وقال لا يجوز لأن هذا بيع معلق على شرط، ومن رأى أنه وكالة بالعمولة أجازه، لأن الذي يصرف هو وكيل للتاجر ويأخذ مقابل تصريفه والنماذج في هذا متعددة، ومن أمثلتها أيضا مسائل البطاقة ـ بطاقات الائتمان ـ فهل النظر فيها مبني على الحوالة أو على الضمان، فهناك مسائل متعددة يجري النظر فيها أو يجري الحكم فيها بناء على التصور لواقعها.
ـ الشيخ الدكتور يوسف الشبيلي: يرجع اختلاف العلماء في المسائل المالية المعاصرة إلى أسباب متعددة، فقد تكون المسألة من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء المتقدمون، فاختلف فيها المعاصرون بناء على الاختلاف السابق، مثل مسألة الإلزام بالوعد في بيوع المرابحة، وقد يكون الخلاف ناشئا عن الاختلاف في تكييف العقد، كما في العمولات التي يأخذها البنك من التاجر في البطاقات الائتمانية، فمنهم من يرى تحريمها؛ على اعتبار أنها فائدة مقابل القرض، أو أجر على الضمان، ومنهم من يرى جوازها على اعتبار أنها أجرة مقابل السمسرة، أي التسويق للتاجر.
وقد يكون الاختلاف لفظياً، وهو ما يسميه أهل العلم اختلاف التنوع، بأن يفتي البعض بتحريم عقد من العقود؛ لاشتماله على بعض المحظورات الشرعية، ويفتي فريق آخر بالجواز بضوابط تنتفي معها تلك المحظورات، ومن أمثلة ذلك عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، حيث أفتى مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة بتحريمه، وصدر قرار مجمع الفقه بجوازه بضوابط، وليس بين القرارين فيما أرى تعارض؛ فصورة العقد التي تناولها قرار هيئة كبار العلماء لا تتوافر فيها الضوابط التي تضمنها قرار المجمع. > نحن نفهم من هذا الكلام أن فيه كثيرا من المسائل لا يختلف العلماء في أصل المسألة بجوازها مثل التورق، فكثير من الذين اختلفوا في التورق المصرفي المعاصر يرى جواز التورق، ولكنهم توقفوا في مسائل التورق المصرفي المعاصر، فإذا كان غالبية الذين توقفوا يجيزون التورق الفقهي، لكن يتوقفون في التورق المصرفي المعاصر. فما هو سبب نشوء هذا الخلاف؟ لأن أصل المسألة واضح أنه يجوز عندهم، لكن عندما جاءوا لطريقة تنفيذ الصيرفة المعاصرة للتورق توقف بعضهم وبعضهم أجاز، فنحن نريد أن نعرف على أي أساس منع من منع وأباح من أباح، مع العلم أن أصل المسألة جائز لدى الفريقين؟
ـ الشيخ الدكتور عبد الله المطلق:
الذين منعوا الآن بعضهم يرى أنه تورق صوري، وأنه لا يوجد فيه بيوع في الخارج، وأن الأمر لا يعدو أن يكون بيوعا ورقية ومن الذين منعوا من يمنع هذه المعاملات لما فيها من توكيل البنك، لأنه يرى أن توكيل البنك في البيع بعد شراء العميل منه مما يثير الشُبه ويعطي للبنك أن يتولى أحيانا طرفي العقد، وهذا الأمر قد يدفع بعض من لا يلتزم بالدقة بجعل الأمور صورية، فيجري العقود ولم يكن ثمة بيع ولا شراء.
ـ الشيخ الدكتور محمد القري:
أكثر الخلاف الذي يقع بين الناس في مجال المعاملات المصرفية، إنما هو راجع إلى اختلافهم في تصور المعاملة محل النظر، الأمر الذي يؤثر في التكييف ثم على ما يتوصل إليه من حكم بشأنها. وهذا كله يقع ضمن نطاق الخلاف المقبول الذي يمكن من خلال الحوار والمناقشة الوصول فيه إلى الاتفاق. هذا لا يعني أن كل خلاف هو من هذا النوع، لأن بعض الخلاف لا يعتد به إذا كان يخالف ما انتهى إليه اجماع الفقهاء أو جماهير أهل النظر منهم. مثال ذلك الخلاف على حكم الفوائد المصرفية. فبعض الناس يقول اختلف الفقهاء، هذا الخلاف لا اعتبار له عندنا لأن الاجماع قد انعقد عند الفقهاء المعاصرين أن الفوائد المصرفية هي من الربا المحرم. أما الاختلاف فيما يتعلق بالمعاملات الأخرى وأنواع المعاقدات التي تجري في البنوك مثل بطاقة الائتمان والاختلاف، هل هي عقد كفالة أم عقد وكالة...إلخ، أو الخلاف الذي وقع في مسألة المرابحة للآمر بالشراء عندما بدأت بها البنوك الإسلامية، إذ ان بعضهم رأى أن الوعد الملزم من قبل العميل بالشراء من البنك والاتفاق المسبق على نسبة الربح وما إلى ذلك، ينتهي إلى بيع ما ليس عند الإنسان لأنهم رأوه عقدا على محل غير مملوك من قبل البنك، بينما البعض الآخر رأى أن الوعد مختلف عن العقد، وانه لا يترتب عليه التزام بالشراء وإنما بالتعويض عن الضرر وهلم جرا، وهذه الاختلافات بعض الناس يراها أمراً سلبياً وأنها خطر داهم على المصرفية الإسلامية، بينما هي في الحقيقة اختلافات تؤدي إلى الاتفاق فيما بعد، فهي أشبه بالكير الذي ينقي الحديد من الشوائب لينتهي إلى الصفاء مع الإقرار بأن الإجماع بين جميع المجتهدين هو أمر متعذر، ولكن ما كان عليه الجمهور فهو الحق إن شاء الله، فالمرابحة الآن حصل شبه اتفاق بين الهيئات الشرعية على صيغة معينة لها لاقت القبول، بعد أن مرت بنوع من الاختلاف وتعدد في وجهات النظر، فهذا اختلاف طبيعي وهو من سنة الحياة وهو موجود في كل عصر ولا بأس به.
ـ الشيخ الدكتور يوسف الشبيلي:
التورق الذي تجريه المصارف اليوم على نوعين: تورق حقيقي، بحيث يبيع المصرف على العميل سلعة بالأجل، وبعد أن يقبضها العميل يبيعها في السوق نقداً على غير البنك، فهذا هو التورق الذي اختلف فيه الفقهاء المتقدمون. ومعظم العلماء المعاصرين على جوازه.
وفي النوع الثاني يشتري العميل من البنك سلعة بالأجل ويوكل البنك في بيعها، بدون أن يقبضها العميل، ويسمي البعض هذا تورقاً منظماً، وفي الحقيقة فإن تسمية هذه المعاملة تورقاً أدخل اللبس في أذهان الكثيرين، حيث ظنوا أن هذا من التورق الذي جرى فيه الخلاف بين الفقهاء المتقدمين، بينما الفقهاء يقصدون النوع الأول، وأما هذا النوع من التورق فإنه حادث، والخلاف في النوع الأول لا ينسحب على الثاني؛ لأن توكيل البنك في البيع وعدم قبض العميل للسلعة يعد في نظر كثير من المعاصرين حيلة على التمويل الربوي؛ لأن العميل لم يقبض من البنك إلا نقوداً وسيرد إليه مثل تلك النقود وزيادة، فهو قرض بفائدة؛ لا سيما وأن تنفيذ البنوك لهذا العقد في كثير من الأحيان يؤكد أنه عقد صوري، وأن السلعة أدخلت في العقد لمجرد إضفاء الشرعية، حيث يجري التورق في سلع يتعذر قبضها، وقد لا تكون مملوكة للبنك، ولهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي بتحريمه.
> هذا يقودنا إلى سؤال متى يكون رأي الفقيه في مثل هذه المسائل معتبرا، فنحن نعرف أن المسائل المالية أصبحت معقدة جدا، وليس كل إنسان يستطيع أن يحل المشاكل المالية لتعقيد العقود وإجراءاتها وطريقة تنفيذها، فهل كل من حمل العلم الشرعي يستطيع أن يُفتي في هذه المسائل أم لا بد أن يكون على دراية ومعرفة بهذه المسائل بطريقة تطبيقها وتنفيذها بحيث يستطيع أن يفتي فيها؟
ـ الشيخ الدكتور محمد القري الفتوى هي بيان الحكم الشرعي في المسألة، وهي في النهاية رأي يمكن ان يصدر عن أي أحد، ولكن يفترض ان لا يتصدر له إلا من كان أهلاً له وأن لا يفتي في مسألة، إلا أن يكون على علم ودراية وفهم كامل للمسألة في جوانبها المختلفة ثم يبقى أن المعول هو على الدليل، فمن كان معه الدليل فكلامه صواب، ومن كان يختلف عن ذلك فيوزن بميزان الدليل وليس بميزان المفتي نفسه، ولذلك ناقش علماء أصول الفقه مسائل هل تؤخذ الفتوى من فاسق... إلخ. ولذلك يجب ان لا نتخوف من كثرة الآراء والفتاوى لأن عندنا الميزان الذي نعرف به الصواب والخطأ. ـ الشيخ الدكتور عبد الله المطلق:
فيما يخص متى يكون رأي الفقيه في مثل هذه المسائل معتبرا؟ رأي الفقيه هو اجتهاد، ونحن عندما نقيم اجتهاد الفقيه نقيمه بالنسبة لغيره من الفقهاء وبالنسبة لمن حوله من العامة، فرأي الفقيه لا يكون حاكما على فقيه آخر، فهذه اجتهادات، وكل واحد من الفقهاء يجب عليه أن يجتهد في بيان حكم الواقعة من أدلة مستنبطة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا علم الحق مع أخيه وجب عليه الانصياع له، أما بالنسبة لمن هم حول الفقيه من العامة الذين لا يستطيعون أن يجتهدوا في نوازل المسائل، فإنه يجب عليهم أن يقلدوا المجتهد أو الفقيه في مثل هذه المسألة حتى يجدوا غيره هو أقرب إلى الله تعالى أو يكونوا أقرب إلى الله تعالى بالأخذ منه، هذه هي وجهة نظري في متى يكون رأي الفقيه في مثل هذه المسائل معتبرا.
أما فيما يخص التخصص، فرب العالمين في القرآن الكريم أمر المتخصصين الشرعيين أن يهتموا بالخبراء، لأن الفقيه مهما بلغ من الفقه الشرعي إلا أنه في تطبيق الفقه على الواقع يحتاج إلى خبرة الخبير بالواقع، ولهذا قال الله تعالى: «فاسأل به خبيرا»، وقال «ولا ينبئك مثل خبير» والهيئات الشرعية الآن في البنوك تعتمد على رأي الخبراء في المنتجات التي تصوغها أو يصوغها الخبراء بيانا لعلاج الواقع ولتسيير العملية الاقتصادية في البنك، فيأتي رأي الفقيه الشرعي بعد رأي الخبير الاقتصادي متضامنين في البحث عن المصلحة؛ الفقيه يبحث من حيث انطباق الحكم الشرعي على الواقعة التي صورها الخبير، وإذا نظرنا إلى الخبراء في الفقه الإسلامي وجدنا أن الاعتماد عليهم ثابت في السنة النبوية وفي قضاء الخلفاء الراشدين، فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يحيل في بعض القضايا إلى النساء لأنهن أهل خبرة فيها، وكان يحيل إلى بعض المتخصصين في بعض الأمور التي تحتاج إلى خبرة، وإذا نظرنا إلى مسائل القضاء في عهد عمر وفي عهد عثمان وفي عهد علي رضي الله عنهم وهم من الخلفاء الراشدين، وجدنا أنهم كانوا يعتمدون في أحكامهم على قول الخبراء مثلما حدث في قصة الحطيئة عندما هجا الزبرقان بن بدر، فبنى الخليفة الراشد حكمه على قول حسان وكعب بن مالك، وهذا العمل جار عليه في هيئة كبار العلماء وفي المجامع الفقهية، فهم يستعينون بالخبراء المتخصصين في المسألة التي يراد بحثها.
يتبع |