بورصة للمعرفة.. فمن يشتري أسهما؟ هل يمكن أن نشاهد في يوم ما بورصة للثقافة؟ هل بعد ظهور مفاهيم جديدة مثل بنوك المعلومات من الممكن التداول على أسهم معلوماتية في البورصة؟ وماذا عن هذه الفكرة في عالمنا العربي؟.
هذه الأسئلة وغيرها أصبحت تفرض نفسها بقوة على الساحة العامة، في ضوء التوجه الجديد الذي تنوي بعض الحكومات الغربية أن تضعه محل اختبار، وهو القيام بفتح بورصة ثقافية، على غرار البورصة المعنية بتداول الأوراق المالية، لكن الأولى سوف يتركز اهتمامها في استثمار الثقافة وطرح أسهمهم معلوماتية.
الفكرة ببساطة -كما تطرحها مؤسسة بريتون الأهلية البريطانية المهتمة بالتجارة الإلكترونية والثقافة- تتمثل في قيام كل شركة تجارية في البورصة بطرح عدد من الأسهم الثقافية للاكتتاب العام، بحيث تتخصص كل شركة في إطار معين من المعلومات الثقافية؛ فهناك المعلومات الأدبية والتاريخية والعلمية وغيرها، على أن تكون مجموعة الأسهم التي ستقوم الشركة بطرحها تمثل التخصص الذي اختارته.
وبالنسبة للمقابل الذي سيدفعه المواطن للحصول على الأسهم فسيتم تقديره حسب مدى ثقافته في المجال الذي يرغب في شراء الأسهم به، فبقدر حجم واتساع ثقافته سيتم احتساب الأسهم له، وذلك وفقا للمؤشر الثقافي الذي سيعمل على وضعه أساتذة متخصصون في كل مجال. وسيتم حساب المكسب والخسارة على أساس أنه كلما زادت ثقافة الفرد ارتفع عدد أسهمه، وكلما سجل إخفاقا في معدل ثقافته تم سحب أسهم منه.
وتشير صحيفة الجارديان في 26 يناير 2006 إلى أن مؤسسة بريتون لديها خطة متكاملة بهدف جذب المواطنين، من خلال استغلال وسائل الدعاية المختلفة للإعلان عن تكوين شركة مساهمة ثقافية، إضافة إلى الإعلان عن وجود أرباح مجزية لصاحب أكبر عدد من الأسهم المعلوماتية.
وتتمثل الأرباح في منح الفائز دعوة سفر إلى إحدى الدول التي تزخر بتراث حضاري يستحق دراسته والتعرف عليه، حيث يدرس جميع الجوانب التاريخية والحضارية للمكان الذي سيذهب إليه، إضافة إلى تقديم تقرير شامل بعدها يقيم من خلاله تجربته، ومدى النفع الذي تحقق له من منطلق أن المعرفة الحية تأتي من خلال رحلات السفر التي تهدف إلى ذلك.
الابتكار هو الهدف
وتركز هذه الفكرة على قطاع الأطفال على وجه الخصوص لتنمية الروح الثقافية لديهم منذ الصغر، تلك الروح التي انعدمت تماما في ظل عصر تسوده الآلة في الغرب قد يحد من الابتكار، وبالتالي ينعكس على التنمية الاقتصادية. وتشير إحدى الدراسات التي أجريت على الأطفال في بريطانيا -واستهدفت التعرف على مدى الميول الثقافية لديهم- إلى أن 75% من عينة الدراسة ليس لديهم أي ميل نحو المعرفة، وأن أوقاتهم تنحصر ما بين ألعاب الفيديو جيم والدردشة على الإنترنت.
وخلصت الدراسة إلى أنه إذا استمر الحال على هذا النحو فلن نستطيع إخراج أجيال جديدة قادرة على تحقيق مزيد من التقدم الاقتصادي، وملاحقة التطور؛ وذلك لأن عقولهم أصبحت فارغة، وتدرس المنظمات الأهلية ببريطانيا حاليا مدى إمكانية توفير التمويل اللازم لدعم هذا المشروع، حتى يدخل حيز التنفيذ في أقرب وقت.
ويؤكد فريق الباحثين في مؤسسة بريتون أن هذا المشروع سيأتي بأفضل النتائج سواء على المستوى المعنوي أو المادي بالنسبة للدول الغربية، فبالنسبة للجانب المعنوي فسيتحقق الثراء الثقافي والمعلوماتي، وهو المفهوم الذي ذاب وسط زحام الحياة اليومية وضغوطها. أما الجانب المادي فهو تشجيع الأطفال والشباب على حب المعرفة، بما يضمن إخراج أجيال تدعم التنمية الاقتصادية في المجتمعات.
عالمنا العربي
وتبدو فكرة بورصة الثقافة طريفة في ظاهرها، ولكنها تحمل رسالة ذات مغزى عميق يوجهها مجتمع رأسمالي، وهي أن الابتكار لا يأتي إلا عبر توسيع المعرفة وتطويرها، وأنه من الضرورة مشاركة رأس المال في تمويل جوانب أخرى في المجتمع (ثقافية واجتماعية وغيرهما)، حتى يحصد بيئة من المبتكرين يستطيعون مواصلة التقدم الاقتصادي.
ويعلق الدكتور حمدي عبد العظيم أستاذ الإدارة والاقتصاد، عميد أكاديمية السادات سابقا على هذه التجربة قائلا: الفكرة جيدة جدا، ولكن عائدها الاقتصادي طويل الأجل، بمعنى أنه كلما ازدادت ثقافة الفرد ازداد وعيه، بما سينعكس بدوره على معدل إنتاجه وسلوكياته الاجتماعية ومدى إسهامه في تطور الفكر والأداء الاقتصادي والاجتماعي لدولته؛ لذلك فالفكرة تتناسب مع الدول المتقدمة؛ لأن لديها إمكانيات الإنفاق وانتظار العائد إيمانا منها بأن الثقافة عنصر رئيسي من عناصر التنمية البشرية.
وعلى الرغم من أهمية تطبيق مثل هذه التجارب في الدول العربية لحاجتنا المُلحة إليها، فإن الدكتور حمدي يرى أن اقتصاد أغلب هذه الدول لا يتحمل مطلقا الإنفاق على هذه الأنماط في ظل أولويات الحكومات بالاهتمام بمشروعات البينة الأساسية وغيرها. ولكنه يرى أن القطاع الخاص والمؤسسات التجارية العربية والشركات الضخمة في البورصات يمكن أن تلعب دورا في تنفيذ الفكرة، بحيث يتم توفير الدعم اللازم لها، أو اختبار مدى جدواها، ثم تعميمها على المنطقة العربية.
من جهته، يعتبر هشام أحمد -رجل أعمال- أن هذه الفكرة ممكنة في عالمنا العربي شرط أن تؤمن الشركات وأصحاب رؤوس الأموال بأهمية المردود الاقتصادي للتنمية البشرية على مصالحهم. ويرى كاقتراح عملي أن تتبنى هذه الفكرة مؤسسة ثقافية كساقية الصاوي في مصر مثلا بالتعاون مع مجموعات شركات تجارية كبرى على أن تراعي خصوصية البيئة العربية.
ولا تزال مسألة دعم رجال الأعمال للنشاطات الثقافية والاجتماعية في المجتمع محدودة في عالمنا العربي، ولكن ثمة مبادرات بدأت تظهر في مصر وبعض الدول الأخرى كرعاية طلاب متفوقين وغيرها تؤشر على أن بورصة الثقافة يمكن أن نراها في مجتمعنا أو حتى أفكار أخرى أكثر منها ابتكارا لتطوير اقتصادياتنا عبر أصحاب المعرفة |