براعم على الرمضاء طفلة في عمرها الثامن تقف بجانب إشارة المرور تبيع عقود الفل تحت أشعة شمس الظهيرة المحرقة التي تلفح بقسوة كل شئ تحتها وبجانب الإشارة الثانية طفل آخر يبيع علكا ، الطفلة التي بدت كملاك بجمالها وبشرتها الصفراء الصافية وشعرها البني المموج الغير ممشوط إلا أنها بدت متسخة حافية القدمين مرتقة الهندام كأنها قادمة من حرب ، تقدمت الطفلة نحو سيارة فارهة أغلقت نوافذها لكي لا يتسرب الهواء البارد للخارج وقفت الطفلة مادة عنقود الفل للسائق الذي لم يكترث لوجودها وبدت كشحاذ يستجدي الصدقة أحست بشيء من المرارة في حلقها واغرورقت عيناها وبرق الدمع المتجمد في عينيها لكنه بدا عاصيا متحديا جبروت الفقر وبطش الجوع الذي يعتصر بطنها الخاوي منذ الصباح ، وقفت هنيئة تنظر النعماء التي بدت على سائق المركبة الذي اتشح بالبياض وتلك الأزارير الذهبية المعلقة في صدر ثوبه ، فلما يأست منه اتجهت لسيارة أخرى رأت بها أطفالا بعمرها كل واحد منهم في يديه لعبة وقفت برهة تنظر لألعابهم وكأنها تشبع نهم الطفولة التي سلبت منها عنوة دون أن تدري ، دحجها الأطفال بنظرات امتعاض ومد أحدهم لسانه لها فأحست بغرور النعمة بادية على هؤلاء البراعم الغضة تراجعت يائسة خائب أملها في بيع عقود الفل قبل أن تجف من حرارة الشمس ، وفتحت الإشارة وعادت للرصيف وبعينيها دمعة عاصية لم تجد مكانا للسقوط وسط أناس تحجرت قلوبهم فلم تعد ترحم صغر سنها ويتمها وعوزها وتمنت برهة أن تكون مكان الأطفال الذين رأتهم قبل قليل لكنها لما تذكرت عدائيتهم تراجعت عن الفكرة وقالت في نفسها فقيرة يتيمة رحيمة بالآخرين ولا غنية متجبرة وتذكرت كم مرة وهي تساعد المسنين على تجاوز الطريق وتذكرت تلك العجوز التي ساعدتها على عبور الطريق فدعت لها وأعطتها قبلة ما زالت تحس بطبعتها على خدها الطري وانهالت الذكريات لعقلها فكانت جميعها وضائة حملت الخير أينما كانت وعلى أي رصيف وفي أي شارع وتذكرت تلك المرة التي تقاسمت رغيفها مع مسكين مقعد على كرسي متحرك ، أطرقت في وجيه المارة الباردة المطلة من نوافذ السيارات لم تفهم تعبيرات الازدراء تلك المتجهة نحوها كأنها سهام تخترق جسدها الغض فتستقر في قلبها الصغير المحطم ، أقفلت الإشارة مرة أخرى وتوقفت السيارات احتراما لها فأدهشها كيف ينقاد السائقون لأمرها وهي آلة لا تحس ولا تتألم ، توجهت نحو سيارة فارهة ترفع عقد الفل وأشارت به للسائق الذي لم يعرها اهتمام فكادت تهم للبحث عن سيارة أخرى لولا أن رأت في المقعد الخلفي طفلا قريبا من عمرها نحيل الساقين والساعدين يبدو كشبح جاثم مكبل لكرسي غريب حملقت فيه برهة فرمقها بنظرة بتثاقل بعدما أدار رأسه متمايلا ثم أهداها ابتسامة خرجت معها لعابه فانساب على طرف وجنته أراد مد يده المتعبة نحوها لكنه كان بينهما زجاج النافذة الذي حال بينهما ثم لفت نظرها يد رقيقة بها منديل ورقي تمتد نحو فك الطفل لتمسح عنها لعابه المنسال وأدركت بأنها يد أنثوية لعلها تكون أم هذا التعيس الذي لا حول ولا قوة له اقتربت من النافذة وحدجت المرأة بنظرة تعاطف فتحت النافذة قالت المرأة للسائق أعطيها شيء لله فاستغلت الطفلة فتح النافذة قربت العقد من فمها وطبعت عليه قبلة ثم مدته لداخل السيارة وعلقته على عنق الصبي الذي بدا فرحا بابتسامته المثقلة فتحت نافذة السائق الذي مد يده نحو الطفلة بحفنة ريالات ، قالت الطفلة : لا يا سيدتي هذه هدية مني .
قالت المرأة : ما اسمك يا صاحبة القلب الكبير .
قالت الطفلة : منى يا سيدتي .
قالت المرأة منى فلتقبلي النقود هدية من أكرم وأشارت للطفل المقعد , دحجت منى أكرم بنظرة فرأت بعينيه المثقلتين كمن يرجوها أن تأخذ النقود ، فقالت المرأة حينها : أكرم قل لمنى شكرا ، نطق الصبي بكلمة غير مفهومه كمن يشكرها ثم أتبعها بنطق اسمها واضحا ، فمدت الطفلة يدها وتناولت الريالات من يد السائق وتراجعت للوراء مبتسمة وهي تنظر لابتسامة أكرم رغم إعاقته ،فتحت الإشارة وانطلقت السيارة مبتعدة ورجعت بائعة الفل للرصيف وما زالت ابتسامتها لم تفارق شفتيها ، نظرت نحو ساقيها وتفقدت يديها وساعديها نظرت للسماء كمن يدعو وتحركت شفتيها كمن تحمد الله على نعمة العافية ، فقطع ابتهالها لله صوتا يناديها من الإشارة الأخرى التفتت لمصدر الصوت ، فتكرر صوت أخيها : منى الشرطة ، اهربي ، اهربي !
نظرت للطرف الآخر فرأت رجل الشرطة متجها نحوها أفلتت ساقيها للرياح وسمع أخوها أصوات منبهات السيارات وصرير إطاراتها ثم ارتطام ، لكنه لم يرى منى وزحام السيارات أعاقت الرؤيا وتوجه نحو الضوضاء التي همدت ووجد الناس متحلقين يتفرجون وسمع من خلفهم صوت يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون لا حول ولا قوة إلا بالله ، شق الصفوف فرأى منى كأنها وردة بيضاء تمسك عنقود فل بيد وباليد الأخرى حفنة الريالات وهي مسجاة على أرضية الطريق وتحتها بركة دم بينما كانت ابتسامتها تملأ شفتيها . |